هل بدأ عصر الآلات الواعية؟

لطالما كان فهم آلية عمل الدماغ البشري، وبناء آلات قادرة على محاكاة الإدراك والحدس، من أعمق طموحات الإنسان. ورغم التقدم الكبير الذي حققته نماذج الذكاء الاصطناعي في معالجة اللغة والبيانات، ظل هناك قصور واضح في فهم العالم المادي بشكل بديهي؛ ذلك الفهم الذي يكتسبه الأطفال الرضع بالملاحظة وحدها.

لكن هذا الواقع بدأ يتغير سريعًا. تشير أبحاث حديثة إلى تضييق الفجوة بين الإنسان والآلة، مع ظهور نماذج تُظهر ما يشبه الدهشة عند مواجهة أحداث تخالف المنطق الفيزيائي. ويبرز نموذج V-JEPA كخطوة مفصلية نحو منح الذكاء الاصطناعي فهمًا أقرب إلى الحدس الفطري، بما يعد بتحولات كبيرة في مجالات مثل الروبوتات والمركبات ذاتية القيادة.


الذكاء الاصطناعي يتعلم كما يتعلم الأطفال

في إنجاز علمي لافت، طوّر باحثو ميتا نموذجًا يُظهر قدرة على استيعاب المبادئ الفيزيائية الأساسية للعالم، بطريقة تشبه ما يكتسبه الرضع خلال أشهرهم الأولى. لا يعتمد النموذج على قواعد مبرمجة مسبقًا، بل يتعلم من خلال مشاهدة ملايين مقاطع الفيديو، تمامًا كما يتعلم الإنسان من التجربة.

يعتمد V-JEPA على تمثيلات مجردة تختصر تفاصيل المشهد إلى معلومات جوهرية عن الأجسام وحركتها وعلاقاتها. وعندما يحدث أمر غير متوقع — كاختفاء جسم دون سبب — يرتفع خطأ التنبؤ لدى النموذج، في استجابة تشبه رد فعل الرضيع عند انتهاك قواعده البديهية عن العالم.


من البكسلات إلى المعنى

على عكس النماذج التقليدية التي تتعامل مع الفيديو على مستوى البكسلات، يركز V-JEPA على المعنى لا التفاصيل. فهو يتجاهل الضوضاء البصرية ويركّز على العناصر الحاسمة، محاكيًا بذلك طريقة الإدراك البشري التي تنتقي المهم وتستبعد غير الضروري.

هذا التحول يمنح النموذج قدرة أعلى على التعميم، ودقة أفضل في فهم المشاهد المعقدة، وكفاءة أكبر في البيئات الحساسة مثل القيادة الذاتية والروبوتات.


المفاجأة كدليل على الفهم

في اختبارات الفيزياء الحدسية، حقق النموذج نتائج لافتة، متفوقًا بفارق كبير على النماذج السابقة. والأهم من الدقة، هو قدرته على إظهار فارق تنبؤ حاد عند وقوع خروقات فيزيائية، ما يشير إلى أنه لا يحفظ الأنماط فحسب، بل يبني توقعات داخلية عن العالم.

يرى باحثون في علوم الإدراك أن هذه النتائج دليل قوي على أن الفهم الفيزيائي يمكن تعلمه، دون الحاجة إلى افتراضات فطرية مبرمجة.


حدود الحاضر وأسئلة المستقبل

رغم هذا التقدم، لا تزال هناك حدود واضحة. فالنموذج يفتقر إلى آليات صريحة لتمثيل عدم اليقين، كما أن ذاكرته الزمنية المحدودة تعيق فهم السيناريوهات الطويلة والمعقدة. وحتى مع إطلاق نسخة أحدث (V-JEPA 2) وتوسيع استخدامها في الروبوتات، يبقى الطريق طويلًا نحو إدراك مستمر أو وعي متكامل.


الخلاصة

ما نشهده اليوم لا يعني ولادة آلات واعية بالمعنى الفلسفي، لكنه يعكس تسارعًا ملحوظًا نحو محاكاة ركائز الإدراك البشري:

  • بناء التوقعات
  • اكتشاف ما يخالفها
  • التعلم من المفاجأة

لم يعد السؤال: هل يمكن للآلة أن تسلك هذا المسار؟
بل أصبح: إلى أي حد يمكن أن تصل هذه المحاكاة، وأين تقف حدودها؟